منذ أكثر من ربع قرن، وبسبب دوامة مشاغل الحياة، لم أقم بزيارة معشوقتى رأس البر، استبدّ بى الشوق فقررت أخيراً زيارتها، نادت ندّاهة البحر وعروس النيل، لبَّيت النداء وذهبت لأرتمى فى حضن الذكريات، ما زالت رائحة اليود ساكنة فى خياشيم الروح، إجازاتى الصيفية فى زمن الطفولة ما بين الشعراء قرية الأب والأم، ورأس البر وطن السمر والبهجة. مع بداية الصيف تبدأ تجهيزات الرحلة بقيادة الجد والجدة، الغرض المعلن هو الاستشفاء فى رمال الجربى لعلاج الروماتيزم الذى يستقر فى تلافيف الركب والمفاصل، ولطرد برد دمياط القارس من العظام المنهكة. كانت صفة الاستشفاء غريبة على مسامعى، كانت الأسرة تسميها «الدفن»، كنت أتساءل: كيف يذهب الجد والجدة للدفن بغرض العلاج؟! لكن طقوس الرحلة كانت تقطع خيط الدهشة والاستغراب، فالعشة تنتظرنا، ووجبة السمك وارد عزبة البرج اليومية بطعمها الذى لم يتكرر، رغم أننى تناولت السمك بكافة أنواعه وأشكاله فى مختلف أنحاء العالم، فإن أكلة السمك فى عشة رأس البر كانت من الجنة رأساً، لها مزازة وعذوبة لا تقارن، حتى ألعاب الشاطئ الساذجة كانت هى قمة المتعة لأطفال العائلة، ما زلت أتذكر الحصان الخشبى العالى غير المجسَّم الذى كنا نحتفظ بصورنا عليه وكأننا نابليون بونابرت أو الإسكندر الأكبر. ذكريات مرت كشريط سينما أمامى وأنا أفتح نافذة الفندق الذى يطل على أجمل بقعة فى مصر، اللسان تلك البقعة العبقرية التى يلتقى فيها النيل بالبحر، وأمامك بيوت عزبة البرج الملونة وكأنها قصور ألف ليلة، والمراكب الشراعية التى تجوب النيل وترسم أجمل بورتريه طبيعى يحمل عبق ذكريات وبصمة لمسات عمالقة ترددت أنفاسهم فى مدينة السحر، أم كلثوم وعبدالوهاب ومحمد التابعى. رأس البر ما زالت تحتفظ ببكارة المصيف القديم الذى لم يُحقن بعد ببوتوكس التصنع وفيللر مُحدَثى النعمة، البط الدمياطى المحشو بالبصل والزبيب، والفطير والفول والطعمية والمشبك والبسبوسة والجبنة القديمة، الشوارع المستقيمة المرسومة بالمسطرة والتى تحمل لافتاتها أرقاماً ما زالت حتى الآن تحتفظ بنفس النخيل ونفس التناسق، لمسات د. منال ميخائيل، محافظ دمياط، على المدينة ظاهرة بكل الأناقة والرقى، ما زالت رأس البر تحتاج إلى تسويق وجهد دعاية. يكفى أن تعرف أنه لا يوجد فى محافظات الدلتا فندق خمس نجوم إلا على منطقة اللسان فى رأس البر، من كفر الشيخ إلى الدقهلية إلى الغربية.. إلخ، ورغم وجود بلطيم وجمصة وغيرهما من مصايف الدلتا الجميلة، لم يفكر أحد فى بناء فندق فايف ستارز إلا فى رأس البر، من المؤكد أن عقلية الدمايطة الاقتصادية النشيطة ساعدت على هذا السبق السياحى، لكن ما زالت المسألة تحتاج إلى جهد تسويقى لتعريف الناس مزايا رأس البر، وما هو سر تفرد هذا الموقع الفريد، وبداية انفتاح رأس البر مرة أخرى لكى تكون مصيفاً لمصر كلها وليس للدمايطة فقط، لكى تزدهر السياحة وتضاف مصادر دخل خاصة للشباب بعد عثرات صناعة الموبيليا التى تأثرت كثيراً ونتمنى أن تعود لها العافية قريباً.