لم نكن نعرف أن هناك يوماً عالمياً لكلمة «أحبك» إلا عندما فوجئنا به يصعد ليصبح «تريند» على تويتر! جيل الشباب متعطش لتعريف كلمة «حب» فى ظل تشوش ونفاق مجتمعى جعلها كلمة مستهلكة فقدت معناها وبريقها وسحرها من سوء الاستعمال، لجأ الشباب إلى الفضاء الافتراضى لعله يجد الإجابة عن سؤال ما هو الحب؟ أعتقد أن دورنا هو فضح فهمنا كمجتمع للحب حتى يفهم من تساءل واحتار فى اليوم العالمى لكلمة أحبك.. فى هذا اليوم هذه هى خواطرى السريعة التى هى حيرة سؤال أكثر منها يقين إجابة: إذا حسبنا الحب بعدد قصائد الشعر التى كتبناها فيه، فنحن أغنى وأكثر الشعوب التى تغنت به. وإذا حسبنا الحب بعدد العلاقات العربية المجهضة والاغتصابات الشرعية المقننة وكتل الجليد التى تغلف الحب العربى الزائف وقصص النصب باسم الحب والدجل على شرف الحب والبيزنس بجثث الحب، نجد أننا أفقر شعوب الأرض وأكثرها بخلاً فى إبداء مشاعر الحب. فنحن لدينا آلاف المترادفات لكلمة الحب من الهوى والغرام حتى الكلف والعشق والهيام، ولكننا دائماً ما ننسى أن نتبادلها! هل تصدقون أن من قال: «الحب فى الأرض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه»، رفض بعض من أهل وطنه الصلاة على جثمانه فى مسجد لندن لأنه كافر وخارج وزنديق؟ نعم رفض كهنة هذا الزمان أن يصلوا على جثمان نزار قبانى لأنه كتب عن الحب بصراحة وصدق، كرهوه لأنه فضح زيفهم وكشف حالة العصاب والفوبيا التى تتلبسهم عند ذكر كلمة الحب، رغم تراثهم الغنى بقصائد الغزل الصريح قبل العفيف. إنه قبل أن يعرِّى حبيباته ويبوح بعلاقاته، عرَّى كذبنا المزمن وباح بأخطر سر عن القناع الذى نرتديه دوماً لدرجة أننا ندخل الحياة ونخرج منها دون أن نحب بجد. وهذه كارثة. إنها ليست حياة ولكنها مجرد عيشة. مجتمع لا ينمو فيه الحب، لن يحصد الديمقراطية ولا التقدم. هناك درجات للحب. نعم.. هناك أنواع للحب. لا.. ودرجات الحب يحددها التعبير عن الحب، ويجب ألا نفترض أننا يمكن أن ندرك الحب ونشعر به بدون تعبير، فنحن قد نسينا الطبطبة والربت على الكتف والحضن، كل هذا من أجل شىء تافه أو بالأصح خوف من شىء تافه وهو ألا يفهمنا الآخرون خطأ، والسؤال الذى يفرض نفسه: هل هذا الخوف يساوى أن ندخل جحورنا بهذا الشكل المفزع؟! نحن فى مجتمعاتنا نمثل الحب ولا نحياه، ونرتدى قناعاً أثناء ممارساته ونزيّف مشاعرنا لنرضى الآخرين ونتكيف مع السائد، ونظل ننتظر الحب ولكننا فى الحقيقة ننتظر «جودو»، البطل الغائب فى مسرحية العبث الشهيرة، ولا نعرف أن الحب ليس للتفكر والتنظير ولكنه للخوض فيه والممارسة من خلاله، والحب شىء مختلف تماماً عن الاحتياج ويتم تعلمه منذ الطفولة، فمثلاً إذا كانت الأسرة من تلك الأسر التى تجاهر بعواطفها فسوف يتم تدعيم الطفل باستجابة إيجابية عندما يعبّر عن هذا، فيقفز الطفل إلى حضن أبيه ويزرع قبلة على فمه، قبلة خصبة حافلة بالحيوية، فيرد الأب عليها بود وفرح، وهنا تبدأ أول رسالة تعليمية عن الحب، أما إذا حمل الأب الطفل بعيداً عنه ناهراً إياه قائلاً: الرجال الكبار لا يحضن بعضهم البعض! بالطبع تؤدى مثل تلك الرسالة السابقة إلى خلق شخص من الممكن أن يكون مقبولاً اجتماعياً، لكنه وللأسف منبوذ وأخرس عاطفياً، وهذا القبول الاجتماعى المزعوم والذى يسعى إليه الجميع يؤكد على أن الحب صناعة اجتماعية تشكلها للأسف الثقافة السائدة، وليست الذات الصادقة.