ما زلنا على خصام مع الحداثة لأننا نجهل أسئلتها، لم نطرحها بعد، أو بالأحرى نخاف ونفزع من أن نطرحها أصلاً، نحن لم نكرهها لأننا لم نعرفها ابتداء. هنا يجب ألا نتحدث عن كراهية الحداثة، ولكن الجهل بالحداثة التى باتت قارب المستقبل هو الذى يجب أن نطرحه. أسئلة الحداثة التى نخشى طرحها -لأنها أسئلة جذرية وتنخر فى العمق- هى صدمات كهربائية لازمة لعلاج الشيزوفرينيا الاجتماعية والدينية والسياسية... إلخ، وبدونها سنظل نتخبط فى هلاوسنا وضلالاتنا وجنون عظمتنا وأحاسيس اضطهاداتنا. السؤال الأول: هل الإنسان حيوان مكلف أم إنسان له حقوق؟ مفهوم التكليف مرتبط بالذوبان وعدم الإحساس بالتفرد، وأنك مجرد ترس فى آلة كبرى عليك أن ترمى كلك فى دائرة هذا التكليف، محور التكليف هو فرضيات وقبليات على العبد تنفيذها وبلا نقاش، زاد عليها تدخل المجتمع وحشر أنفه فى مراقبة تطبيقك لهذا التكليف! محور الحقوق هو «أنا قد دخلت ساحة انتزاع حقوقى المستحقة مع عدم الحشرية ودس الأنف بينى وبين حقى». الشعار المرفوع هو «وانت مالك بمساحتى الخاصة». سؤال آخر عن إمكانية وسهولة اليقين، هل اليقين بتلك السهولة وذلك اليسر كما نتخيل فى مجتمعاتنا التى لم تطرق أبواب الحداثة بعد؟ أتعجب من كم اليقينيات التى نحملها على كاهلنا بكل ثقة، وكم الإجابات اليقينية الجاهزة التى نبخها ونتقيؤها فى وجوه محاورينا. أندهش من صوبة اليقين وشرنقة المؤكد والبديهى التى نعيش فيها طوال الوقت، ونحن مطمئنون اطمئنان النائم على باب الكهف الممسك بذيل الأفعى المختبئة فى الخارج ظناً منه أنها حبل إنقاذه! اليقين المزمن ليس مرادف الاستقرار، لكنه مرادف الركود حتى العفن، والتيبس حتى الموت، أما الشك فهو حافز التغيير وشرارة التطور، سؤال تضييق دائرة الاهتمام وحصره مجتمعياً فيما هو على الأرض، أقول مجتمعياً لأن من حقك كفرد أن تفكر فيما هو خارج تلك الأرض، وفيما بعد الموت، لكن أن تحوله إلى هم وشاغل مجتمعى حكومى وطنى له مؤسسات وهيئات تفكر فيه بالوكالة عنك ثم تحشرك وتشغلك بل وتعاقبك على رأى مخالف أو لا مبالاة مؤقتة، هذا هو ما ترفضه الحداثة، هذا الحصر هو الذى يفرز العلمانية ويمنحها معناها الاجتماعى، فكما يقول د. مراد وهبة العلمانية هى التفكير فى النسبى بما هو نسبى، وكما يعرف عبدالكريم سروش العلمانى بأنه الشخص أو المجتمع الذى يتعاطى مع الظرف الحالى، هو ابن الوقت، مهتم بهذه الحياة الدنيوية ويتحرك بمقتضاها، سؤال المجتمع الملح يجب أن يكون دائماً كيف نخرج من هذا المأزق عبر آليات تلك الحياة؟ هل نحاول علاج الجفاف بصناعة أو استنزال مطر صناعى أم بدعاء استسقاء؟ هل سقوط عمارة أو اجتياح إعصار هو انتقام ربانى وعقاب إلهى علينا قبوله أحياناً على أنه ابتلاء، أم أن عدم استعدادنا الجيد وتخطيطنا المنظم سيضاعف الخسائر؟ عندما أفسر شيئاً أو حادثاً هل أفكر فى أن السبب هو قوى خارجة عن الطبيعة؟ وهل دافعى لهذا التصرف أو الحل هو لإرضاء تلك القوى الميتافيزيقية، أم أن الدافع عقلانى بحت؟ سؤال حداثى آخر مهم سأفرد له فصلاً مستقلاً: هل الأخلاق لها استقلالية عن الدين، أم أنهما كالتوأم الملتصق؟ وهل من الممكن أن أتوصل، مثل حى بن يقظان، إلى فحوى الأخلاق وأدرك الحسن والقبيح بدون الاستعانة بالكتب والمناهج الدينية؟ سؤال يستحق احتشاداً للإجابة خارج تلك القائمة من علامات الاستفهام التى حسمتها مجتمعات الحداثة، أو على الأقل قطعت فيها شوطاً كبيراً، ومن أهم الأسئلة التى طرحتها الحداثة: هل يوجد معيار واحد لقياس الأفكار والقيم؟ هل يوجد ميزان ثابت لكل النشاطات؟ هل لا بد من استخدام نفس المنظار لرصد جميع المشاهد؟ الإجابة كانت فيما يسمى التمايز القيمى أو تمايز مجالات القيمة VALUE DIFFERENTIATION والتى شرحها بطريقة جيدة د. أشرف منصور، أستاذ الفلسفة بآداب الإسكندرية، حين قال: «يعنى هذا المبدأ أن يكون لكل مجال قيمى استقلاله الذاتى وحدوده التى يتحرك داخلها، بحيث لا يتعدى على المجالات القيمية الأخرى ولا يحكم عليها، ولا يستخدم قيمه للحكم على مجال آخر، هذه المجالات القيمية هى السياسة، والأخلاق، والاقتصاد، والدين، والفن، والعلم، كل مجال من هذه المجالات له قيمه الحاكمة له، ولا نستطيع أن نحكم عليه بقيم لا تنتمى لمجاله، وفى حالة حدوث ذلك تختلط القيم ببعضها ويفسد حكمنا عليها ويصير غير موضوعى». هذا من أهم مبادئ الحداثة التى يفسدها ما نقول عنها بلغتنا العامية المصرية «يحط أبوقرش على أبوقرشين»، تداخل مجالات القيم، ومحاولة حشر هذا فى ذاك، ووزن هذا بالمتر وقياس ذاك بالطن! فتصير فخفخينا فكرية وحواوشى قيمى! فعندما نتخذ من القيم الداخلية لمجال ما مبدأ للحكم عليه، نكون قد صنعنا من هذه القيم الداخلية معايير للقياس Norms داخل هذا المجال الواحد كما يقول د. أشرف منصور. وإليكم بعض أمثلة التداخل لدينا: «مجال الاقتصاد مستقل بقيمه، مثل الكفاءة فى استخدام الموارد وتوفير أكبر قدر من السلع مما هو متاح من موارد، وتنمية القدرة الإنتاجية لشعب ما... إلخ، وبالتالى فلا نستطيع الحكم على الاقتصاد بمعايير السياسة أو الدين أو الأخلاق أو الفن، بل نحكم عليه بمعاييره هو والمستمدة من قيمه هو، وكذلك الحال بالنسبة للسياسة، إذ يجب أن نحكم عليها بمعيار النجاح والفشل السياسى، أو الكفاءة وعدم الكفاءة السياسية، ولا نحكم عليها بمعايير من خارجها، مثل المعايير الجمالية... إلخ، وفى المجال العلمى لا يمكن لنا أن نحكم على النظريات العلمية بمنطق لا ينتمى للعلم، مثل المنطق الدينى أو الأخلاقى أو السياسى أو الاقتصادى، كذلك لا يمكن الحكم بمنطق الدين على الفلسفة ولا يمكن الحكم على الفلسفة بمنطق الدين، وهذا هو ما حاول ابن رشد إثباته فى كتابه (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال)، إذ قام بأول محاولة للفصل بين المجال القيمى للدين والمجال القيمى للفلسفة بمعايير مستمدة من داخل كل مجال، ودافع عن استقلال الدين داخل مجاله واستقلال الفلسفة داخل مجالها، وبذلك كان ابن رشد إرهاصة للحداثة، لكن إرهاصة مجهضة. وكذلك الحال بالنسبة للفن، فلا يمكن الحكم على الفن بمنطق الدين، ونضعه فى ثنائية الحلال والحرام أو الكفر والإيمان، لأننا بذلك نقحم على المجال الفنى معايير ليست منه ولا تنتمى إليه، بل معايير الفن هى الجمال والاتساق الداخلى والانسجام والقدرة التعبيرية...إلخ، وسبب تكفير الإسلاميين للفن أو لبعض الأعمال الفنية هو أنهم لا يستطيعون تبنى مبدأ تمايز مجالات القيمة، لأنه مبدأ حداثى عن جدارة، فى حين أن الإسلاميين لم يمروا بمرحلة الحداثة من الأصل، كما يرجع السبب فى توسع المنطق الدينى وتغلغله فى كل ثنايا الثقافة واحتلاله لمساحات متزايدة الاتساع من المجال العام إلى أن مبدأ تمايز القيم لم ينجح فى الترسخ فى مجتمعاتنا، من جرّاء فشل عمليات التحديث، وعدم المرور بمرحلة الحداثة من الأصل، كما يستند مبدأ الفصل بين الدين والسياسة أو الدين والدولة على مبدأ تمايز مجالات القيمة، وبدون الفصل بين المجال القيمى للدين والمجال القيمى للسياسة لن يكون الفصل بين الدين والدولة ممكناً. والفصل الأول بين المجالات القيمية هو الشرط المسبق والضرورى للفصل بين الدين والدولة، فلا يمكننا أن نطالب بالفصل بين الدين والدولة إلا بناء على حركة ثقافية واسعة وعميقة تقوم بتفعيل مبدأ التمايز القيمى من أسفل، أى من المجال الثقافى والفكرى والفنى والعلمى، قبل أن ننقلها إلى المجال الأعلى وهو المجال السياسى». أعتقد أن أستاذ الفلسفة قد حدد مجالات التمايز القيمى وشرحها، لكننا فى مجتمعاتنا -مجتمعات ما قبل الحداثة وثقافة الشفاهية- نعشق هذه الخلطبيطة، خاصة حشر نكهة الدين فى أى مذاق فنى أو علمى أو سياسى أو اقتصادى، إنه صار إدماناً، ليس بغرض التخدير فحسب، ولكن بغرض إحكام السيطرة والتسلط، إذن الحداثة ليست فصلاً ما بين الدولة والدين فقط، ولكن ما بين الدولة والمجتمع كأفراد، بين الملعب العام والمضمار الخاص، إذن ما هو دور الدولة فى المجتمع الحداثى؟ هو كما قال عبدالكريم سروش: «الدولة شاغلها الأوحد هو المصلحة العامة للمتحد السياسى». إذن هناك تمييز واضح ما بين الإنسان الفرد الذى له الأولوية وبين المواطن، الحداثة تحترمنى كإنسان أولاً ثم كمواطن ثانياً ثم كمتدين وصاحب عقيدة أو مذهب ثالثاً، شعارها فلتسقط الحشرية، واستخدم أنفك فى شم مساحتك الخاصة ولا تدسه أو تنشر رذاذه فى مساحتى الخاصة.